محمد عبد الله دراز
309
دستور الأخلاق في القرآن
الحرة هي تلك الّتي تصدر عن هذه الذات ، والّتي تلخصها ، « وتنتزع منها كما تنتزع ثمرة ناضجة » . فمن الممكن إذن أن نتساءل : أليست الحرية ، في تعريفها على هذا النّحو ، هي في جوهرها حتمية الطّبع ؟ أمّا برجسون فلا يخفي هذا ، وهو يقول : ( عبثا ما ندعيه : إننا نخضع حينئذ لتأثير طبعنا ، فطبعنا هو أيضا ذاتنا ) « 1 » . وإذا كان الأمر كذلك فإنّ مشكلة الحرية لا يبدو أنّها تتقدم كثيرا ، فإنّ العبد إذا ما غير سيده لم يخرج عن كونه عبدا . لقد كانت نظريات تداعي المعاني تقدم لنا تفاعل أفكارنا بشكل ما - على أنّه مباراة لكرة القدم ، تشتجر فيها قوى متضادة ، موجودة في داخلنا على هيئة ذات معزولة ، لا ينتصر منها إلّا أقواها . أمّا ديناميكية برجسون - فعلى الرّغم من التّنازلات الكبيرة ، الّتي منحتها لخصومها - فهي تعتقد أنّها تكشف عن عدد من الحالات ، ينبثق قرارنا فيها عن قوة واحدة ، بالغة العمق ، وهي تنمو وتزدهر ، بلا توقف ، كأنّها نار مستمرة . ولكن مهما يكن ما نذهب إليه بشأن هذه القوة : واحدة أو متعددة ، عميقة أو سطحية ، فإنّ الميكانيكية ، والدّيناميكية تتفقان في الرّجوع إلى طبيعة يستحيل علينا أن نغير اتجاهها ، أو أن نوقف حركتها ، ومهما تكلمت الدّيناميكية عن « الحرية » وعن « الاحتمال » فإنّها تقرر أيضا « الضّرورة » ، و « الحتمية » ، أو إذا كان هناك احتمال فأنّه احتمال تقول به « ذات لا شعورية » ، تختار من بين إمكانات منطقية كثيرة - طريقة نموها ، اختيارا أعمى ، وعلى غير هدى .
--> ( 1 ) انظر ، 1 - Bergson . Essai sur les donne ? es Immediates de la conscience . ch . III p . 129